كانت هناك ...
بين المسافات البعيدة
تترجم السكون مُداعبات
فـ تـَعَثـَّرَت ...
كان الوحيدُ في الأفق
لكنـَّه ...
قلبٌ مشتت في الفضاء
لاذت بحضنهِ ، تـُذيبُ شمعَ الأمنيات
ففرَّ مُلـْتـَحِفَ السُّكات
مَدَّت إليه من الزهور و عطرها
باقاتٌ .. و باقاتٌ .. و باقات
حتى أسْكـَرَهُ الشـَّذا
تـَرَنـَّح منه الفؤادُ و اسـْـتـَعَرَ الهوَى
و هـَـفا ...
عبَثا يُعيدُ الذكريات
و يُعيدُ قلبَهُ مِن رُقاد
فسَأل ..
أجابت ..إنني ..
وَلَجْتُ أعتابَ الرَّبيعِ ، و أنت؟
أجابْ ..
ليتَ الذي قد فات .. يا زهرتي ما فات
فـَدعي خريفي ، و غروبي ، و ارحلي
إني صَحوْتُ مِن المماتِ ....
إلى المَمَات
أمام بيت العمدة .. وقف أهل كفر الغلابة يهتفون.. يعيش حضرة العمدة ..بالروح بالدم نفديك يا عمدة .. افعل ما بدا لك نحن رجالك .. " وغيرها كثير من الهتافات التى يهتز لها العمدة طربا ، وهو يلوح بكلتي يديه لأهل الكفر من نافذته العليا هستيريا من التصفيق الحاد .. عندما سعل العمدة .. سعل أخرى فالتهبت الأكف تصفيقا وعلت الهتافات حتى دخل العمدة يكمل سعاله انصرف أهل الكفر جلس العمدة مندهشا يحدث نفسه .. ( بالرغم من كل ما أفعله يهتفون بحياتي ! .. ثم .. ثم لماذا يصفقون عندما سعلت ؟! ).. هرش رأسه ، اعتدل ، نادى : · يا شيخ الخفر = لبيك يا حضرة العمدة ( مهرولا .. كان بين يديه ) · أسمعت هتافات أهل الكفر ؟ = نعم .. كانوا يهتفون حبا وولاء وإخلاصا · أتظن ذلك ؟ = نعم وبكل تأكيد .. فأهل الكفر جميعهم طيبون " عاد العمدة إلى نفسه .. كيف يهتفون لى وقد سلطت عليهم الفقر والجوع والمرض والجهل .. وفى كل مرة يهتفون ، وكلما أزيد .. يهتفون .. لم يحدث أن اعترض أحد " ثم لمعت عيناه وقال : · قل لى يا شيخ الخفر .. متى سيقولون لا ؟ = لن يجرؤ أحد على قولها يا حضرة العمدة .. فقد أحكمنا القبضة وأصبح أسلوبنا نبراسا تهتدي به الكفور والنجوع المجاورة · كيف يواجهون الغلاء ؟ = يصلون النهار بالليل عملا ليتحسن دخلهم · ما بالك لو أصدرنا قرارا بجعل مواعيد العمل من الفجر حتى العشاء ؟ = هرش شيخ الخفر ، عقد بين حاجبيه ، أمال رقبته على أحد كتفيه .. رفع حاجبيه قال بمليء فيه .. " وهل يجرؤ أحد على عصيان أمرا لحضرة العمدة ؟! طاف مناد فى الكفر يعلن ( يا أهل كفر الغلابة .. قرر حضرة العمدة .. أن تبدأ مواعيد العمل من الفجر وتنتهي بعد العشاء .. والحاضر يعلن الغائب .. ) قبل الفجر بنصف الساعة كانت شوارع الكفر تعج بالعاملين .. فى طابور منتظم كانوا يعبرون الجسر الضيق الذى يربط الكفر بمنطقة العمل .. وما أن أذن الفجر حتى أصبح كل فى موقعه بعد أذان العشاء انصرفوا يعبرون الجسر .. أمام بيت العمدة وقفوا يهتفون ( عاش حضرة العمدة .. بالروح بالدم نفديك يا عمدة .. افعل ما بدا لك نحن رجالك ) والعمدة يلوح لهم بكلتي يديه من نافذته العلوية .. يسعل .. يصفقون .. يسعل أخرى .. تلتهب أكفهم تصفيقا ويعلو الهتاف .. يدخل العمدة يكمل سعاله .. ينصرفون · يا شيخ الخفر = لبيك يا عمدة · ألم يعترض أحد على تنفيذ القرار ؟ = كما رأيت ياسيدى رغم أن القرار منعهم من العمل الإضافى لتحسين دخلهم .. إلا أنهم فرحين .. تنتحر حناجرهم هتافا · أبلغ أهل الكفر قراري التالي .. " على كل من يعبر الجسر أن يدفع رسم عبور يقدر بعشرة دراهم .. أبلغهم أيضا أنه لا مساس بمحدودي الدخل ، فهذه الرسوم يتحملها الأغنياء فقط ، ومن ليس غنيا .. لا يعبر الجسر " = سيدي .. إن رسم العبور .. · ( مقاطعا ) فقط عليك إبلاغهم انطلق المنادى فى الكفر يعلن القرار الجديد ........ فى اليوم التالي كان الهتاف أكثر حماسا وقف حضرة العمدة فى نافذته يعلن .. يا أهل الكفر ..لقد قررت الآتي : - لن يعبر الجسر إلا من يدفع رسم العبور ويوضع له قرن من الشطة فى .. قفاه ، وآخر فى فمه .. تصفيق حاد .. همس أحدهم للآخر " كيف يكون ذلك ؟ .. أيوضع للرجل قرن الشطة فى.. قفاه ؟! ( أجابه ) هل تعترض ؟ .. " .. يعيش حضرة العمدة .. بالروح بالدم نفديك يا عمدة . قبل الفجر كان طابور أهل الكفر طويلا .. بدايته عند مدخل الجسر وآخره فى نهاية الكفر .. يتقدم الواحد تلو الآخر ليوضع له قرن الشطة الأول .. ثم يعتدل فاغرا فاه ليأخذ القرن الثانى .. نفذت كمية الشطة .. مازال الطابور طويلا ( أعلن رجال العمدة ) لن نسمح بعبوركم .. فقد نفذت الكمية - ( صرخ الناس ) تصرفوا .. سنتأخر عن أعمالنا = ماذا نصنع لكم ؟ .. انصرفوا .. - صرخ أحد الواقفين .. لابد أن نخبر العمدة .... ( أمام بيت العمدة صياح وجلبة ) .. نريد حضرة العمدة .. نريد حضرة العمدة .. ارتجف العمدة .. أرسل أحد رجاله يستطلع الأمر .. نريد حضرة العمدة .. نريد حضرة العمدة .. بين يدي العمدة وقف الرجل يرتعد .. · ماذا بك ؟ .. ماذا بالخارج ؟ .. تكلم يا رجل .. = جمع كبير يا حضرة العمدة .. قد علا وجوههم الغضب .. ولا يريدون سواك ازداد وجل العمدة . ارتفعت الهتافات ..ارتعد العمدة .. الصياح يتزايد . نريد حضرة العمدة .. خرج إليهم العمدة فى كوكبة من رجاله ، ومن النافذة العلوية رأى جموع الناس .. اصطكت أسنانه .. حمل بعض الناس أحدهم فوق الأكتاف وهتف .. يا حضرة العمدة .. يا حضرة العمدة .. · أبنائي ( قالها العمدة وهو يحاول أن يتماسك ) = نريد حلا .. فقد نفذت الشطة ولم يسمح لنا بالتوجه الى عملنا · أبنائي = لدينا مطالب · أبنائي = لابد أن تسمعنا · أبنائي .. أنى أسمعكم .. أنا .. = لدينا مقترحات · أبنائي .. لقد كنت .. = لدينا شكاوى · ( وقد استند على النافذة ) أبنائي .. لقد كنت .. = لم يعد لدينا صبر · ( وقد ارتعدت فرائسه ) أعدكم .. = وفروا لنا كمية الشطة حتى تكفينا ، ولا نتغيب عن عملنا وقف العمدة مندهشا .. استعاد هيئته .. راح يقهقه حتى وقع على قفاه .. ضحك من معه حتى استلقوا بجواره .. نهض العمدة وهو يقاوم ضحكاته .. · يأهل الكفر .. مطالبكم مجابة .. ولكن .. لا تضعوا الحمل على كاهلنا وحدنا .. ألا يستحق الكفر منكم بعض التضحيات ؟! ان ميزانية الكفر لا تتحمل قيمة شراء شطه لكل مواطن .. فليحضر كل من أراد عبور الجسر شطته معه .. هللت الجماهير .. رفعوا بعضهم فوق بعض .. يعيش حضرة العمدة .. بالروح بالدم نفديك يا عمدة .. افعل ما بدا لك .. نحن رجالك .. سعل العمدة .. التهبت أكفهم تصفيقا .. دخل العمدة يفكر فى قرار جديد
إيَّاكُم والإزْعاج بثقة غريبة ، تناول ما أمام الابن وراح يلتهمه بنهم شديد أفراد الأسرة فى ذهول ، وقد عقدت الدهشة ألسنتهم وأيديهم , همس الرجل لزوجته الجالسة عن يمينه : - من يكون ؟ = ألا تعرفه ؟ - سألتك من يكون = ظننته صديقا حميما لك ( التفت الى الإبن الجالس عن يساره ) - أتعرفه ؟ = لم أره قط .... أليس قريبا لك ؟ - تعرفون جميع أقاربى .... سل أختك دون أن تسبب حرجا للغريب = هل تعرفينه ؟ ـ لا . ربما يكون زميلا لوالدنا ( التفت الإبن هامسا لأبيه ) .. أختى لا تعرفه الغريب يشطر الرغيف .. يلتهمه على مرتين .... يعود الى الملعقة .... يجول بها بين الصحاف وفمه بخفة ورشاقة . استبد القلق بالجميع.. شردت أفكارهم .. كل داخل ذاته .. نظراتهم تتابع ملعقة الغريب بدهشة واستغراب .. بينما هو لا يعبأ بمن حوله .. ( قطع صمتهم ) هل من مزيد ؟ الطعام شهى للغاية .. تهلل وجه السيدة .. هبت من فورها مهرولة الى المطبخ وهى تردد " بالهناء و الشفاء ، حالا سأزيدك " وجاءت بصحن يمتلئ بالأرز .. اختطفه منها قبل أن تضعه على المائدة .. خيل للجميع أنه لا يلوك الطعام ، بل يزدرده كمن يقذفه فى بئر عميق . عاد أفراد الأسرة الى الهمس . - جائع ، مسكين - لعله عابر سبيل - كأنه لم ير طعاما قبل اليوم - ( الأم فى دلال ) ولم لا أكون طاهية ماهرة ، جذبته رائحة طعامى ، أفقدته رشده حتى نسى الاستئذان هب الغريب واقفا .. جذب الإبن من ذراعه.... أرنى أين أغسل يدىّ ( خائف ذا هل ) توجه به الابن الى حيث يغسل يديه . ( فى أسى ) نظر الأب الى المائدة الخاوية صحافها : - لم يترك لنا طعاما نأكله = ( واسته الزوجة ) .. لا تندم .. ربما يعدّ لنا الله مائدة فى الجنة بسبب هذا الضيف - لا تقولى ضيف .. لقد اقتحم بيتنا ، وأكل طعامنا دون أن يؤذن له.... ثم.... كيف أسكت صراخ معدتى ؟ = وأنا يا أمى .. لا أحتمل آلام الجوع = هيا ياابنتى .... ساعدينى حتى نسرع فى إعداد طعام آخر ( خرجتا الى المطبخ ) دخل الغريب.... استقبلته نظرات صاحب البيت.... تفرس ملامحه.. رجل فى العقد الرابع من عمره.. ذو لحية سوداء إلا من بعض شعيرات بيض .. طويل القامة.... نظراته ثاقبة.. يضع فوق رأسه قبعة.. يرتدى ملابس أنيقة، تدل على ثرائه ... جلس على مقعد " فوتيه " فى الناحية الأخرى من مائدة الطعام.... لم يأبه بصاحب البيت الجالس أمامه .. أخرج علبة سجائره الذهبية .. أشعل سيجارة، نفث دخانها، ليكوّن سحابة زرقاء غطت وجه الرجل.... وضع ساقا فوق أخرى .. نظر فى ساعة معصمه .... ا اتجه ببصره نحو التلفاز المغلق.... - حان موعد نشرة الأخبار.... ألا تتابعها ؟ = من أنت ؟ - لا يهم.... لكنى أحب هذا البيت = هل تعرف هنا أحد ؟ - ربما نتعارف فيما بعد = هل.... - أنت كثير الكلام.... افتح التلفاز حتى نرى النشرة = " متهكما ".. هل لى أن أشرف باسمك ؟ - " بلهجة آمرة " افتح التلفاز حتى نرى النشرة من أولها ( كاظما غيظه ) اتجه الى التلفاز.... فتحه .... ( مخاطبا نفسه ) .. سأصبر عليه.. العجيب أنه يتصرف فى بيتى بمنتهى الثقة.... ربما خانتنى الذاكرة فى معرفته ؟! .. جلس يستعرض شريط عمره.... فرك يداه .... لا أعرفه .... أنى متأكد .. لم أره قبل اليوم .. ترى من يكون ؟ .. أسئلة شتى تطحن رأسه .. أفاقه صوت الصحاف والزوجة تضعها فوق المائدة .... الغريب ينظر الى المائدة .. وقف ...ا تجه نحوها .... ( ودون أن ينبس بكلمة ) خرج من البيت .. - سقط قلبى حينما ذهب الى المائدة - ظننته سيحرمنا الطعام مرة أخرى = ألا نستحق منه كلمة شكر ؟! ولج بيتنا صامتا ، وخرج منه صامتا ! وبينما هم فى طريقهم الى المائدة .... دخل الغريب " مشيرا لمن معه " تفضلوا .... جمع من الرجال بهيئات وملابس مختلفة .... دخلوا .... التفوا حول المائدة .. تجمّد الرجل وأفراد أسرته فى مكانهم ، كأنهم تماثيل فاغرة الأفواه .. ابتسم الغريب .. سأل السيدة .... ألا توجد مقاعد أخرى ؟ = .............................................................. لايهم .. ( للرجال ) من ليس له مقعدا ، يمكنه تناول الطعام واقفا انطلقت أيادى الرجال الى الطعام فى مباراة شرسة ، سرعان ما التهموه ، حتى بدت الصحاف نظيفة .. شكروا الغريب .... صافحوه .... خرجوا جميعا .. دبت الحياة فى التماثيل .... قفز صاحب البيت يحكم إغلاق الباب بينما تخاطبه الزوجة : = انتظر حتى يخرج الإبن ليشترى لنا طعاما - لا داعى.... ربما يأتى الغريب بآخرين = صدقت .. لا داعى اليوم لتناول وجبة الظهيرة - ( غاضبا ) تعرفينه أكيد = لا .... لم أره قبل اليوم - كنت مهتمة به .... سريعة فى تلبية طلبه = ظننته زميلا لك أو صديقا قديما - كان يأمرك فتلبى = هل تشك بى ؟! - أشعر بعظام رأسى يتفتت .... عقلى لا يستوعب ما حدث .... لعله كابوس - ربما سمع عن جودك ياوالدى ( قال الإبن ) - " أكملت الابنة " فأتى بأصدقائه .... هذا أقرب الاحتمالات يا أمى = ( الأم بصوت يختنق بالبكاء ) لم أر هذا الغريب قط .... ( للزوج ) أقسم لك ما رأيته قبل اليوم .. أرجوك اهدأ .... حاول أن تتذكر .. أليس من أصدقائك القدامى ؟ .. تذّكر .. قد يكون زميل دراسة . - ( ضرب رأسه بكلتي يديه ) لا أذكره .... لا أعتقد أنى رأيته منذ وُلِدت .... " تحسس بطنه " لا أحتمل الجوع ، وقد أمسينا ( لابنه ) اذهب يا بنى واشتر لنا طعاما .... - ( مستدركا ) إحذر أن يراك أو يتبعك . وبينما الابن يفتح الباب ، إذا بالغريب أمامه .. دفعه .. أمر من معه بالدخول .. اندفع صاحب البيت ثائرا .... فاردا زراعية .. يصرخ فيهم " لن يدخل أحد " حملوه - دعووووووووووووووونى خرجوا به - اخرجوا من بيتــــــــــــــــــــــــــــي طرحوه أرضا .... تكوم يصرخ ألما .... دخلوا البيت .. واجهتهم السيدة ، وقد اعتراها الغضب ، كيف تسوّل لكم ضمائركم أن تعاملونا بكل هذه القسوة ، وقد أكلتم طعامنا ( صارخة) اخرجوا .... دفعوها بقوة .. سقطت بجوار زوجها .... عادوا ينفضون أيديهم .. أوصد أحدهم الباب .. صريخ وعويل بالخارج .... على وجه الابن وأخته ارتسمت كل آيات الهلع وهما يواجهان الغريب الذي بدا واثقا .. ضاحكا .. وبنبرة هادئة قال لهما .. يمكنكم أن تبقوا معنا إن شئتم .. لكن بشرط ...... إياكم والإزعاج .... الآن .... البيت بيتى و الرجال شهود ***
وسأنتظر الرجل الأسمر تأليف / مصطفى طراد البنيان الضخم يهتز بعنف .. يتأرجح .. ريشة فى مهب الريح ... عاموده الأوسط يترنح .. انهار أمام الإعصار ..... انهارت بعده كل الأعمدة الصغيرة .. انهار البنيان الضخم ............ هناك عامود صغير مازال صامدا .. تتساقط فوقه الأتربة .. الطوب .. أسوار البلكونات .. أجزاء النوافذ .. لكن العامود الصغير رافع هامته فىتحد غريب . هرع الجيران على صوت الانهيار ... تباكى البعض .. والبعض يعض نوا جزه .. وبعض ، ارتسمت علامة الاستفهام حائرة على ملامحه .. ماذا حدث ؟! .. قد كان بنيانا قويا .. تتكاتف أعمدته فى صلابة تتحدى الأعاصير .. فقط .. كان يصونه الرجل الأسمر ، القوى الملامح والعزيمة .. كنت أراه عندما تهب العاصفة .. يقف أمام البنيان بصدره ، فاردا ذراعيه .. أحيانا .. كانت تمزق العاصفة بعض ثيابه .. لكنه يزداد صلابة .. تتكسر العاصفة على صدره ويزداد البنيان زهوا وعزا .... حتى مات الرجل .. مع أول عاصفة ، بدأ الانهيار .. أصبح البنيان أطلالا يتوسطه العامود الصغير .. يقف وحيدا .. حزينا .. يتحدى الأعاصير ليقول للجميع فى زهو " .. كنت يوما أحد أعمدة هذا البنيان .. " وسأنتظر ...... ربما يأتى الرجل الأسمر .
و سأنتظرُ الرَّجُل الأسمر
دوى هائل .. قرقعات .. فرقعات ....
نطق الحجر تأليف : مصطفى طراد وصلتُ إليها... يكاد قلبي أن يقفز من صدري ليبحث عنها ... ما بين الحلم و الحقيقة , وقفتُ , نظرتُ إليها .................. قرَأتْ دموعي الحبيسة المخزونة في مُقلتيْ بضع سنين ... تجوَّلْتُ ببصري ... نفس المكان .... كل شيء كما هو الشجر ... الحجر .. أحواض الزهور ... حتى عم سيد .. ذلك الرجل العجوز حين يستقبلنا بابتسامته الحانية العزبة لنجلس فى القارب .. وهو ممسكا مجدافيه .. يشق سكون النيل بصوته الرخيم .. ( افرح يا قلبي لك نصيب . تبلغ مناك ويَّـــا الحبيب ... افرح يا قلبي ) تضع رأسها على كتفي , و تلف يديها على الكتف الآخر . بداخل كل منَّـــا حلم وردى للسعادة الأبدية فى عشنا الهادئ ... تهمس بصوتها الدافئ الحنون .. أَمسحُ رأسها , ألثمُ بين عينيها قبلة تبث إليها كل ما عرفه البشر من سحر الاشتياق .... تسكرنا النَّشْوة ... نفيق و صوت عم سيد ... ( وصلنا ) أسبقها فى مغادرة القارب لأحملها زهرة ندية .. قطة سيامية وديعة .. حتى أخطو بها على الشاطئ .. تتأبَّـــط ذراعي , تحت الشجرة الوارفة العتيقة نجلس على أريكة رخامية.... نستكمل حلم السعادة القادمة ..... أفقتُ ... نظرتُ إليها .. هَمَمْتُ بالجلوس عليها .. هَتفَتْ ...... إنْتَظِرْ .. وكان وجهها مبللا . .. أخرجتُ منديلي لأجففها , قالت ... عجبا لكما ... لقد كانت هنا قبل مجيئك ... فعلَتْ ما فعلْتَ وما جفَّفْتَ إلاَّ دموعها . ******
بانو راما القدر قصة قصيرة تأليف : مصطفى طراد ـــــــــــــ الهدوء الرهيب هو خلفية اللوحة الطبيعية على شاطئ البحر الشمس ترسل آخر أشعتها الذهبية الناعمة تلثم صفحة الماء قبل الوداع سحب تسير على استحياء تتعلق بذيل النهار وقفت متأملا أتلفت يمنة و يسرى . أحملق فى وجه ساعتي .. أراقب التغيير و هى تشارك قلبى نبضه المتعجل تكاد المياه أن تبتلع النصف الآخر لقرص الشمس بدأ تناغم الأمواج و هى تصافح صخور الشاطئ بعد طول سفر وجه الشمس يتهادى رويدا رويدا ... يغوص بحضن البحر بعد اشتياق ... تبتلعه الأمواج فى لحن أزلي رائع الملامح ... تخضب وجه السماء بلون أرجواني ... خجلى ... تراقب همس شمســها و البحر ... الموج يتبارى فى سباق محموم ... يتناثر رزازه عندما يرتجى الدفء في أحضان الصخور.... تتندى ملابسى بالماء المتناثر ... تلطم الريح وجهى ... تغزو البرودة أوصالى . أبتعد قليلا .. أعود أقرأ وجه ساعتى . لقد تأخرت عن موعدها ستون دقيقة ... نبضات قلبي تسارع الأمواج ... جلست فوق صخرة لأريح قدماى المتعبتين ... أرنو إلى الطريق علَّنى أراها فاردة الذراعين لتغوص بأحضاني المشتاقة ..... لم أرها منذعام مضى إلا طيفا يؤنس وحدتى فى غربة كئيبة حيث أسعى للرزق. كل الليالي رافقتني لأنسج ثوبها الأبيض و أجمع المتلألئ من النجوم لأهديها عقدا و قرطا أخاطب القمر فى وجهها ..... توقظنى دمعة حارة تشق أخدودا بوجنتى , فأهرع إلى وُرَيْقــاتى و أخط لها بقلم مداده نزفى و مشاعر متأججة , و أحرف ملتاعة الشوق و النجوى . أمد ناظرى لأقطع المسافات البعيدة .. أراها تتسلم مرسال شوقى من ساعى البريد , تقبِّلُها , تبث فيها لوعة الاشتياق, تدفؤها بحضنها . سرت بجسمي قشعريرة البرد .... قطع السكون من حولى همس اثنين جلسا بمقربة منِّى ... تمنيت أن تأتى , لنعلِّم المحبين كيف يكون اللقاء .. و نُسْمِعُ العالمَ لحنَ الاشتياق ... بلغة الهمس و دفئ اللمس و حنين العناق . دفعنى الفضولُ لمتابعتهما , مددتُ أذنى لأسترق السَّمع ... انقطعت سلسلة مفاتيحي سقط منها القلب البلوري و كان هديتها فى آخر عيد ميلاد لي .... تدحرج حتى استقر جوارها .. هممت لأحضره .. شعرا بوجودى ... وقفا ... واجهانى ... تسمَّرتُ مكاني ... لف ذراعه حول خصرها ... ألقت برأسها على كتفه ..... بينما قدمها تحطم القلب البلورى .... لم ترنى ... امتد بصرى متابعا لهما حتى تضاءلا .... أجترُّ قدماى ... يصاحبنى سكون الليل الرهيب و أنين حفيف الأشــجار... و صراخ الريح . يترامى إلى مسامعى أغنية العندليب ( .. و سِرتُ وحدى شريدا ... مُحَطَّمَ الخُطُواتِ ... تَهُزُّنى أنفاسى ... تخيفنى لفتاتى ... كهاربٍ ليس يدرى .. من أين ؟ .. أو أين يمضى ) ..........
الساعة الآن ستين قصة قصيرة تأليف : مصطفى طراد ـــــــــــــــــــــــــــــــ تحت الشجرة العتيقة أبطل محرك سيارته العجوز , سحب المفتاح من بابها بعد أن تأكد من إحكام غلقه . ارتقي سبع سُّلمات هن الموصلات إلى مكتبه حيث يعمل بإحدى الوظائف الحكومية , انتابه السعال . أخرج منديله ليجفف قطرات العرق المتناثرة على جبهته .. تنفس بعمق.. أعاد هندامه ... ولج ... سرعان ما ارتد الى خارج المبنى وقف أمامه ... صدره يعلو و يهبط ... يتلفت حوله بنظرات متأملة .... نعم ... هو المبنى ... الشجرة التي تستريح بظلها سيارتي... السبع سلمات ... كل شيء كما هو إلا القاعة التي كان يقبع بها مكتبي .. تتوسطها منضدة الاجتماعات و قد افترشها ديباج أخضر ... باقات من الزهور مختلف ألوانها , ولفافات على ما يبدو أنها هدايا بأربطة زاهية .. قطع من الجاتوه ..فى أطباق ورقية ... زجاجات المياه الغازية ... حول المنضدة يقف جميع الزملاء بالمصلحة .. ما أن وقع بصرهم عليه حتى دوى تصفيقهم بحرارة ... اصطفوا .. امتدت الأيدي... و هو ذاهل .. يمد يمينه ليصافح الزميل تلو الآخر .. أفسحوا له طريقا انتهى بمقعد وثير ... جلس ... و مازالت أسئلة شتى تهشم رأسه = ترى ... ما المناسبة ؟ = هل تمت ترقيتي ؟ = هل رشحت لمنصب دبلوماسي ؟ أفاقه صوت أحد زملاءه وهو يلقى خطبة ...... اليوم نودع بالتكريم زميلا عزيزا أمضى معنا أربعون عاما .. أخا و أبا .... صديقا ... رئيسا ........ و بينما يتعاقب الزملاء فى إلقاء خطبهم ...... غاص صاحبنا فى دهاليز ذاكرته = آه ...... اليوم أتممت ستون عاما = هل هذا معقول ؟! ..... أمام عينيه تعاقبت صورا لمواقف الطفولة .. و أمه تلبسه زى المدرسة ... تعلق حقيبته بين كتفيه تعطه لفافة بها بعض لقيمات ... تقبله داعية بطول عمره و عمرها لتراه رجلا ..... مواقف بين زملاء الدراسة منها ما يضحكه و كأنها بالأمس القريب ...... يوم كان يسعى للبحث عن وظيفة ..... علاقات بين الزملاء فى مراحل مختلفة ...... قرارات اتخذها ... مجازاة فلان , مكافأة فلان , ترقية فلان .. وفصل فلان ... و قد دارت عجلة الزمن فى غفلة منه ... باغتته السنة الستين مسرعة , كان يظنها بعيدة ... ترى .. هل سامحني من ظلمت ..... آه من العمر حينما يُسرق ...... = ( صوت رئيس المصلحة ) وها نحن اليوم نكرِّمه لإخلاصه فليتفضل ( تصفيق حاد ) = تفضل يا أستاذ ......... = تفضل يا أستاذ ............. تقدم إليه الزملاء .... أستاذ ..... أستاذ ............ أستاذ ....
تنابلة الرُّبَّان قصة قصيرة تأليف : مصطفى طراد قلت سأقود السفينة ... رحبوا هللوا ... هتفوا عجبا ... الى هذا الحد هؤلاءالركاب طيبون سذج ؟ دائمي الصياح و التصفيق لم يدر بخلد أحدهم أنى ........................................ فقد جئت إليهم مرتديا ثيابهم .... منتحلا اسما من أسمائهم ... وعندما رأيتهم فقط يأكلون ليناموا.. و يناموا ليحلموا ... و يستيقظوا ليأكلوا .... يومها . أمسكت بالدفة من غير اعتراض أعلنت و بملئ الفم قيادتهم .... أقسموا أن يفتدوني بأرواحهم الفرصة لا تأتى مرتين ... سأقود سفينتهم , بإرادتهم .... و لكن ..... قفز أمامي سؤال أربك جم حساباتي ... وهل يوجد - و القرن العشرين يجر آخر أذياله – أناس لا يشغلهم سوى الخواء... يتناحرون بلا سبب .. يتصافحون بلا سبب .. يتقاتلون بلا سبب .. يتعانقون بلا سبب .. ؟!! مستحيل .... لابد و ان لهم باطنا لم أكتشفه .... التهمت رأسى الظنون ....... قررت المغامرة ... سأجرب كل الأقنعة الدفة فى يدى ... أوجه بها السفينة حيث شئت ... لم يطرأ عليهم جديد ... السفينة تتأرجح بين العواصف, ريشة فى مهب الريح .... ترتفع الهتافات و الدعوات بسلامتي و حياتي و هم لها فداء. هدأت سريرتي ... تأكد لى ما كنت أحسبه مستحيلا ... نعم يوجد الآن من يأكلوا ليناموا و يحلموا قبطان ماهر أنا .... سأرد لهم صفعات أجدادهم ... فكم عانيت و أعانى ... مازالت الندبات فى وجهي .. كلما وقفت أمام المرآة تخجلني ... لم تخفها كثرة المساحيق و الأقنعة .... أكثير علىَّ أن أسحق أحفادهم و هم فى بلاهة يهتفون .. يصفقون .. يأكلون ليناموا و يحلموا و يستيقظون ليأكلوا ... و يهتفوا ... و يناموا ؟!
ذَبَحتُهُ ليََعود
تأليف : مصطفى طراد
****
ُمسْرعة... فتحْتُ باب شقتي .. دخْلتُ ... تلهث أنفاسي .. نزعت أناقتي
ارتديت ملابس البيت ... جلست ألتقط أنفاسي .. أتصنِّع القراءة فى جريدة
دخل خلفي زائغ العينين لاهث الأنفاس .. رمقني بنظرة ثاقبة
ترنَّح فوق مقعد قبالتي .. أشعل سيجارة .. شدَّ نفس عميق , نفثه بشدَّة
ليُخرج عاصفة من الدخان الأزرق .. تتعلَّق عيناه بسحابتها فى سماء الحجرة
امتلأت منضدته بأعقاب السجائر حتى رفضت استقبال الجديد .. أتيت له بأخرى
مازال سابحا خلف جدائل دخانه .. شارد الذهن ... تحجرت دمعة فى مآقيه
يأبى كبرياؤه أن تسقط ...
أغض الطرف لأهرب من نظرات اتهامه
و قد دار أمامي شريط الذكريات
كم كنت أتوق بريق عينيه حين يوفده مرسال عشق لناظرىْ
طرق كل الأبواب لينول نظرة رضا منى
حفيت قدماه ورائي
و أنا أتلذذ عذابه و عذابي حين أتدلل
نعم , كم كنت أرجو ودَّه
أنيقا , مهندما , إن تحدَّث .. بهر السامعين بصوته الرخيم الدافئ
و أنا أفتعل الأسباب لأسمعه , تسحرنى كلماته ... ضحكاته ... حتى صمته
و أهرب بناظري , أوهمه انى غير عابئة به
حتى جاء ليخطبنى و ينشدني له زوجة
طالت فرحتى النجوم
أسمعني قصائد حبه , سحرنى
و منذ تزوجنا .. انقطع الإرسال
أصبح البيت مجرد مكان لتناول الطعام و الرقاد بعد عمل يوم شاق
لم يعد هناك فرق بينى و قطعة الأثاث غير انى أتحرك لأجهِّز له الطعام و ملابسه و فنجان القهوة
أستقبله ... لأودِّعه .. و أظل طوال اليوم أنتظره .... تعذبني الرتابة و يأكلني الحنين لأستشعر ذاتي .
هرعت إليه حينما احترقت أصابعه بعد أن التهمت جذوة السيجارة ثوبها الأبيض .. نزع يده من يدى
.. أرسل نظراته محملة بكل لغات الألم و العتاب .. سهاما تمزق قلبى المعذب .. ما أقساها لغة العيون
حاولت الصمود أمام اتهام نظراته .. استجمعت قوَّتى .. الكلمات تنحشر فى حلقي .. جاهدت حتى قذفتها ... طلِّقنى ...
- ليس قبل أن اسمع منك الحقيقة
طلِّقنى
- ما وجه تقصيري حتى تفضلي غيري
طلقنى
- لم أدخر جهدا حتى أوفر لك ما تحتاجين … أصل الليل بالنهار لترتدي أبهى حلَّة .. لتقتنى أثمن جوهرة .. جعلتك ملكة متوَّجة على عرش قلبى .. ( رجَّنى بعنف .. زلزلني .. اختنق صوته ) لماذا.. وقد ادَّخرت لك عمرى …. سقطت يداه .. ترنَّح .. غاص بمقعده … أشار فى إعياء بسبَّابته.. أنتِ ط… ( قاطعته ) أرجوك … لا تكملها … عذََبت نفسك و عذبتني .. ضيَّعت من عمرى زهره مقابل سوار و قماش .. سجنتنى بقصر من ذهب …. من قال انى بحاجة لهذا ؟
- و ماذا كنتِ تحتاجين إذن ؟!
احتاجك أنت … أحتاج دفئ حضنك .. أحتاج الشعور بأنوثتي حينما تسحرنى الكلمات.. تذوِّب صقيع وحشتي .. تملأ فراغي .. تأخذني بين عينيك .. تدغدغني همساتك .. لمساتك الحانية , تغزوني أنفاسك و تحلِّق بى عالم النشوة حيث نعيش الحب .. نتنفسه عبيرا.. نَطْعَـمَهُ غذاءاً .. يلفنا رداءاً
- و من أجل هذا بحثتِ عن غيري .. ؟
لم يكن غيرك الاَّ فى خيالك ... جعلتك تراه , ساعدتك فى تكبير صورته.. يعذِّبك و يشقيك .. حتى أصبح كيانا يؤرق فكرك .
أمَّا أنا .. لم يسكن قلبى غيرك .. لم تعرف عينى قبلك و لا بعدك , لم تهفو روحى الاَّ لك
فهل عدت الىَّ حبيبى ؟
اندفعت بحضنه تغسلنا دموعنا الحارة .. توقفت عقارب الزمن عندما أسكرنا خمر الرضاب
ثمن الخلود
قصة قصيرة
***
أمام المرآة وقفت تعد سنين عمرها
تتأمل جسدها النحيل
عبثت فى خصلات حلمها
رأت نفسها .. بين الحوريات ، يتراقصن فى أروِقة الجنَّة على ترنيمات لم تسمعها قبلا
يتنفسن عبيرا ذكيا بمليء الصدور .. سألت ..
- ريحكم طيب .. ما اسمه ؟
- سمه أريج الطاعة .. الحب .. أو .. أريج الحرية
- ياله من عطر
- تستطيعين شراؤه
- بكم ؟
- بعمرك .. تشترينه والخلود
- بعمري فقط ؟
- أكثير ؟
- كلا .. ليته يكفى
انتبهت الى المرآة تكمل زينتها .. ولِمَ لا ؟ فهي اليوم على موعد للقاء الأحبة ،
تاق وجدها للحلم .
رأتهم فى انتظارها .. يلوِّحون .. هيا اصعدي إلينا .. هنا لا يوجد قهر ولا ذل .. لا يوجد رياء ولا كذب ولا نفاق .. لا يوجد خنوع ولا انكسار .. أسرعي .. فالرؤية من أعلى أكثر وضوحا .. أسرعي لترين كيف يقامر بشرفك الجبناء ، وكيف تنتهك الحرمات .
فتحت عينيها .. ارتدت ثوب الزفاف .. اكتملت زينتها حينما احتضن خصرها الحزام المرصع بجواهر شديدة الصياح والزغردة .. ركبت دابة حلمها .. انطلقت .. دخلت وكر الشياطين .. شدت وثاقها .. تحررت عندما انفجرت .
تناثرت أشلاء الشياطين .. سالت دماؤهم عطنه تلوث الأرض .
بينما دماؤها تصعد الى السماء .. تعانق الحوريات .. تصافح إخوانها .. آباءها والجدود .
يدها على الأرض ... تغرس زيتونة وقنبلة
عندما نصنع التماثيل
قصة قصيرة : مصطفى طراد
الليل يجر رداءه ..
وقفت مشدوها حينما سمعت الصوت ..
- أرجوك ساعدني
= من يتكلم ؟ ( وأنا أتلفت حولي )
- قد أبدو بلا ملامح !
= من أنت ؟ ! ( وقد استبد بي القلق )
- أنا بجوارك ..
تملكني الرعب .. أخذت أتأمل ما حولي .. كل شئ هنا جامد ..
قامت زوبعة .. نثرت ذرات ترابية تتراقص فى شكل عمودي أمام وجه الشمس النائم على مرمى البصر ، مخضب بحمرة الخجل كزائر يستأذن الدخول .
- أرجوك .. لكم انتظرتك ..
( تلفت ) زمجر الريح .. ارتعدت فرائصي .. اتكأت .. هتفت " أهلا "
( فى وجل ) نظرت إلى حيث أتكئ .
راحة يدي فوق صخرة منبعجة صلبة فوقها بقعة دماء .. نزفتها عندما التقى كفى بالحراشيف الحادة .
صفير الريح يعزف لحنا أسطوريا .. يرتفع معه وجه الشمس فى صحوة تدريجية رائعة الحسن ، تنثر شعرها الذهبي ، يلف الأرض دفئا حنونا .
عدت إلى صخرتي أتأملها .. احتضنتها كمشتاق لحبيب .. بجهد جهيد رفعتها .. اندفعت بها إلى مسكني .. وضعتها فوق منضدة خشبية منتصف الحجرة . درتُ حولها .. " من أين أبدأ " ؟!
بيد قوية أمسكت قادوما عتيقا .. طرقتها بشدة .. ارتد إلىَّ القادوم دون أن يخدشها .. تناولتُ القلمَ الصُّلب .. وضعته فوق قمَّتها .. وبالقادوم طرقته بقوة من يثأر لكبريائه ..
بدأت تتفتت تحت عنف الطرقات .
الشمس تقذفني بسهامها الملتهبة عندما توسطت السماء .. تصببتُ عرقا .. كُمّ قميصي يجفف العرق عن حاجبيَّ .. وقفت التقطُ أنفاسي .. ارتشفت جرعة ماء .. أشعلتُ سيجارة .. وقفت أتأملها من جديد .
شرد ذهني " أزف أوان المعرض " .. اشتعلتُ حماسا .
الرأس تطل بعينين نقيتين .. أنف فرعوني .. شفتين غليظتين فوقهما شارب مهندم .. فوق العين اليُمنَى رفعتُ حاجبا .
استدارت الشمس خلف النافذة الغربية .. رمقتـُـها بنظرة مستجدية وهى تلوِّح لي مودعة .. تسحب خيوطها من الحجرة رويدا رويدا .
تأملت العنق .. جعلتُ أهذِّبَهُ بأدواتي الحديدية حتى بدا كما أريد .
أظلمت الحجرة .... بخطوات مجهدة لقدمين تصرخ ألما ، اتجهت إلى مقبس المصباح .. عدت إلى صخرتي أتأملها بوجهٍ صارم وعزيمة لا تني .
قادومي يضرب الأكتاف .. القلم الصلب يشكل بدلة .. ياقة القميص يتدلى منها رباط العنق فى أناقة بالغة .
اتجهت بأدواتي إلى يده .. ثنيت الكوع .. أمسكته قلما تحته بضع وريقات على منضدة أمامه .. وقفتُ أحَمْلِقُ فيه .. " ما أجمل عينيه المتأملتين ! .. أنيق فى ملبسه .. وديع فى جلسته .. لعله أروع ما صنعت " .. لا بد من وضعه فى مكان بارز من متحفي .. جموع الزائرين تصفق .. ما أروعه ! .. ما أبهاه ! .. ما .. ما .. ما ..
يا لفرحتي وابتهاجي .. النشوة تملأ كياني .. يغمرني شوق لأحدِّثه .
أذَّن الديك .. انقطع التيار الكهربائي .. الحجرة تعج فى ظلام دامس .. أجرُّ قدَمَايَ المتمردتين لأشعل شمعة .
فى ضوءٍ خافتٍ جلستُ أتأمَّله .. نسمة خفيفة داعبت شعلة الشمعة .. تملـَّـكني الرعب حينما نظرت إليه " لم أنحت له عينين غاضبتين ! .. لم يكن له وجه عبوس ! .. ما الذى غير ملامحه ؟! .
- ما لك تحدِّق فىّ هكذا ؟ ( قالها بصوت أجش )
= أنا فخور بصنعتك ( وقد ارتجف قلبي )
- لم تصنعني ( بنبرة غاضبة حادة )
= ( ألملم حروفى ) بل صنعتك .. ألم تر إعجاب الزائرين وتصفيقهم ؟
- ( فى تحد غريب ) كانوا معجبين بي .. يصفقون لنجاحي أنا .. من أنت ؟
= ( متلعثما ) أنا صانعك
- أتعيدها ؟ ( وقد بلغ ذروة غضبه ويحاول الوقوف )
= .................. ( انحشرت الكلمات فى حلقي الذى جف ريقه )
وقف .. بخطى وئيدة يتقدم نحوى ..
أتعثـَّـرُ أمامه .. يقذفني ببقايا الحجارة .. أسبق دمى النازف .. حاصرَني .. إنزَوَيْتُ فى ركن الحجرة .. يدَهُ الصخرية ترتفع .. أحاول الصراخ .. لكزني بيده لكزة أطاحت بي من النافذة خارج الحجرة .. صرخت .. تجمع المارة مع إشراقة الشمس .. أفقتُ .. الناس تصفق لتمثال عانقته أشعة الشمس الذهبية .
<<الصفحة الرئيسية








